محمود سالم محمد

443

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

ففي سنة ( 784 ه ) ، عمل علي بن إيبك الصفدي قصيدة لامية على وزن بانت سعاد ، وعرضها على العلماء ، فقرّ ظوه ، وانتقده أحدهم ، فاختلف العلماء في ذلك ، إلى أن وصلت إلى السلطان ، فكتب مرسوما طويلا ، منه : « بلغنا أن علي بن إيبك « 1 » مدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقصيدة ، وأن علي بن العز « 2 » اعترض عليه ، وأنكر أمورا منها التوسل بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والقدح في عصمته وغير ذلك ، وأن العلماء بالديار المصرية ، خصوصا أهل مذهبه من الحنفية ، أنكروا ذلك ، فيتقدم بطلبه وطلب القضاة والعلماء من أهل المذهب ، ويعمل ما يقتضيه الشرع من تعزير وغيره » « 3 » . لقد وصل الجدل حول المدائح النبوية إلى السلطان الذي كتب فيه مرسوما للبتّ في هذه المسألة ، ووصل الأمر إلى سجن بعض من أنكروا ما جاء في المدائح النبوية ، فقد « أحضر ابن العز لمجلس القضاة ، فوجد من خطه قوله : حسبي إليه ، هذا لا يقال إلا للّه ، وقوله : اشفع لي ، قال : لا تطلب منه الشفاعة ، ومنها توسلت بك ، فقال : لا يتوسل به ، وقوله : المعصوم من الزلل ، قال : إلا من زلّة العتاب ، وقوله : يا خير خلق اللّه ، الراجح تفضيل الملائكة إلى غير ذلك ، فسئل فاعترف ، ثم قال : رجعت عن ذلك ، وأنا أعتقد غير ما قلت أولا » « 4 » . فهذا العالم أبدى رأيه في هذه المسألة ، لكنه خاف ، وعاد عن رأيه ، ولا ندري إن كان قد اقتنع بالرأي الآخر ، أم أنه تراجع خشية البطش به . ويظهر أن القضاة لم يقتنعوا برجوع ابن العز عن رأيه في التوسل برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، « فعقدت له عدة مجالس غيره ،

--> ( 1 ) علاء الدين التقصباوي : علي بن إيبك بن عبد اللّه ، شاعر مدح الأكابر وطارح الأدباء ، كان أديبا ماهرا بارعا بليغا ، توفي سنة ( 801 ه ) . السخاوي : الضوء اللامع 5 / 194 . ( 2 ) صدر الدين علي بن العز الدمشقي ، من الأدباء والعلماء ، كان يدرّس في مدارس دمشق ، وتولّى عدة وظائف ، ثم صرف عنها وسجن سنة ( 784 ه ) . ابن حجر : إنباء الغمر ص 302 . ( 3 ) ابن حجر : إنباء الغمر ص 302 . ( 4 ) المصدر نفسه ص 303 .